صراع الإنسان المعاصر لإستعادة حريته فى عصر وسائل التواصل الإجتماعي

Avatar
Emad Elsaid

دعني أبدأ بالتعبير عن اعجابي بكل شخص يعرف ما يريده، لأن الأمر غير بديهي بالمرة ان يعرف الإنسان مايريده فى الحيآة، ربما يكون الأمر غير واضح لك، لذا دعني أوضح لك، تذكر معي فى بداية حياتك، يعدك الأهل والمدرسة لتحصيل العلم والنجاح فى الإختبارات، كل ما يجب عليك فعله هو المذاكرة، لا أعتقد ان الكثير من الأباء يقومون بفتح النقاش مع أولادهم عن ماهية التعليم ولم نفعل ذلك فى أطفالنا ولم التعليم بهذا الشكل وماهي الاشكال الأخرى للتعليم التي قام بتجربتها البشر، لذا فى معظم الأحوال أعتقد انك قمت بالمرور على مراحل التعليم مدفوعا برغبة الأهل فى تعليمك ونجاحك فى المدرسة، تلك فترة تبدأ من سن 5 سنوات تقريبا حتى نهاية الثانوية حوالى 11 او 12 عام، خلال تلك الفترة يتم تلقينك الدروس وإختبار قدرتك على الحفظ والتكرار، تبني بعض المهارات الإجتماعية من الإحتكاك بأقرانك، وبعض الأصدقاء، لكن لا أعتقد ان كان لديك من الحرية والوقت للتعبير عن ما تريد فعله فى حياتك، تمشى خلال تلك السنوات مدفوعا بالأهل والمدرسة وضغط الأقران للنجاح فى الأختبارات التعليمية.

بعد المرحلة الثانوية تبدأ تلك النزعة من المجتمع لدفعك فى اتجاهين متضادين، الإتجاه الأول هو تنبيهك إلى انك يجب ان تكون مفيدا فى المجتمع وبالتالى يجب حصولك على تعليم متخصص، والإتجاه الأخر هو تلقينك ان المفيدين للمجتمع هم الأطباء والمهندسين، وبالتالى تندفع كمعظم الناس إلى ان تكون المهندس او الطبيب، ربما لم تحصل على الدرجات الكافية فى المرحلة الثانوية وقتها ينقلب عالمك وتقف عاجزا عن ان تحدد ماتريد، ربما تلك هي المرحلة التي يدرك فيها الشخص ان عليه تحديد مايريده فى الحياة، ولا أعتقد ان بعد 12 عام من التلقين كافى لرفع وعي الشخص لدرجة ان يتخذ قرار مصيري بشأن مستقبله، يتطلب ذلك القرار وعي بالمجتمع ووعى بقدراته الشخصية ووعي أخر بالأعمال ومميزات وعيوب كل منها، ووعي أخر بالمستقبل وتحولات المجتمع، لذا أعتقد انه من أصعب القرارات فى الحياة، ويترتب عليه الكثير من الالم والإرتباك، لذا معظم الأفراد تكتمل مرحلة التلقين بالنسبة لهم من خلال ضغط الاهل والمجتمع بالإتجاه لدراسة متخصصة ما، 3 او 4 سنوات او 7 حتي من الدراسة المتخصصة.

لدينا هنا من من 14 ل 19 عام من التعليم او التلقين، بعدها يكون الفرد فى نظر المجتمع مؤهلا للإنتاج، جزء من نسيج المجتمع، يتوقع منه ان يكون مفيدا ومنتجا و يعرف إتجاهه فى الحياة وفائدتها.

لكن اعتقد ان كل هذا هراء، 14 عام من التلقين والضغط من المجتمع والميديا من المستحيل ان ينتج بشكل ممنهج أفراد يعرفون إتجاههم فى الحياة او ان تكون قراراتهم بشأن مستقبل ممنهج او مبني على معلومات ووعي حقيقي، والإستثناء هو هؤلاء الأفراد الذين وجدوا البيئة والحظ الكافى لأن يعرفون مايريدونه فعلا فى الحياة وأن تكون مهاراتهم مناسبة لتحقيق تقدم فى هذا الإتجاه، لذا تنتابني مشاعر الإعجاب حين أرى أحدهم يعرف بثقة مايريد ولديه هدف واضح ويحرز تقدم فى اتجاه هدفه، لأن الأمر يتطلب الكثير من الوعي بنفسك وببيئتك لتقوم بتحديد هدف واضح، ووعي بمهاراتك ليكون ذلك الهدف مناسب لها، وإلتزام حتي تقوم بإحراز تقدم فى اتجاه هدفك. لذا إن رأيت أحدهم يعرف مايريد ويحرز تقدم ما فى مجتمع كهذا يجب ان ترفع له القبعة وعلى أقل تقدير ألا تكون عقبة فى طريقه.

جميع الإفتراضات والمقدمات السابقة لم تأخذ فى الحسبان تأثير وسائل التواصل الإجتماعي فى المجتمع المعاصر على قرارات الأفراد وإتجاهاتهم الفكرية ووعيهم بمحيطهم، ودعني مقدما ان اعترف بأن عصر الإتصالات الذى نعيشه به الكثير من المميزات وقام بتسهيل التواصل بين أشخاص لم يكن ليتواصلوا أبدا بدونه، معجزة حقيقية خلقتها التكنولوجيا، لكن تلك المعجزة خلقت مشكلات جديدة وعقبات فى حياة الإنسان المعاصر، أقل ما فيها سرعة المعلومات الخاطئة، قبل عصر الإنترنت، كانت الإشاعات تنتقل شفهيا، يجب ان ينتقل الشخص من مكان لمكان وان يبدأ بالتواصل شفهيا مع شخص أخر وان ينقل له المعلومة المغلوطة، ثم ينقلها الشخص الثاني لثالث و رابع، وهكذا، مع عصر الإنترنت، يكفى ان يقول شخص واحد فقط معلومة مغلوطة لتنتشر لألاف الأشخاص فى لحظة واحدة، من المشكلات الأخرى التي إستحدثتها وسائل التواصل الإجتماعي هو الأمان الجسدي، أي أنه يمكنك ان تقول ماتريد للشخص الأخير بدون القلق ان تتطور المناقشة لمشاحنة ثم لصراع بالإيدي، ويأتي هذا بنتائج سلبية، ابسطها التنمر على الأشخاص، حتي ان يصل بالبعض للإنتحار. فى ظل تلك الحرية فى التواصل ونقل المعلومات يزداد الضغط على الأفراد، ففجأة بدلا من ان يكون الضغط عليك من الأهل والأصدقاء وبعض المعارف هنا وهناك، سيقوم الاف الاشخاص بالضغط النفسى عليك فى نفس الوقت، ففجأة بعد ان كنت تقاوم أفكار محيطك فى العائلة، أشخاص تعرفهم ويعرفوك جيدا، ويمكنك ببعض المجهود تكوين افكارك الخاصة وبناء شخصيتك فى مجتمع صغير محدود، صار عليك ان تقاوم بشكل واعي وغير واعي الاف الاشخاص على الانترنت، كل منهم متحمس لتغيير افكارك وارائك لدرجة الجنون، أعتقد ان فى تلك البيئة من الصعب جدا على الأفراد تكوين أراء شخصية، وان معظم ما يقوم بتكوينه الأفراد هي مزج أقرب للنقل من افكار مجموع الأفراد فى شبكته الإجتماعية، وأن أي تعبير عن إختلاف فى أفكار الشخص عن شبكته الإجتماعية سيقابل حتما بمقاومة ولو قليلة من الكثير من الأفراد يكون مجموعها النفسى مؤثرا كفاية فى اللاوعي الشخصى للتخلى عن تلك الأفكار او على اقل تقدير على كبح رغبة الشخص فى التعبير عن أفكاره المخالفة لأفكار محيطه. ما ينتج ذلك الصراع بين رغبة الفرد فى التعبير عن افكاره وتطويرها وبين رغبة المجتمع المضخمة بشبكات التواصل الإجتماعي فى تحييد الأفراد ذوو الأفكار المختلفة.

فى صراع الفرد المعاصر مع مجتمعه المتمثل بشكل كبير فى شبكات التواصل الإجتماعي، تجد ان أفكار الفرد الشخصية تضمحل فى مواجهة أفكار المجتمع الشائعة، وان الضغط النفسى الناتج عن فتح باب النقاش فى الأفكار الشخصية لا يساوي العائد من التعبير عنها، لكن فى المقابل السيل المتواصل من الأفكار المتشابهة التي يقوم المجتمع بنشرها على وسائل التواصل الإجتماعي يقوم بعمل صغط نفسى أخر معاكس يدفع بالفرد لمحاولة التعبير عن أفكاره مما يدفعه للإصطدام بالمجتمع، لتكون تلك الدائرة الشريرة التي يقع فيها الفرد فى عالم وسائل التواصل الإجتماعي:

  • يقوم الفرد بتكون أفكار قد تخالف السائد
  • تضغط وسائل التواصل الإجتماعي بطبيعتها على الفرد بأدوات التعبير عن أفكاره
  • يستسلم الفرد لوسائل التواصل الإجتماعي ويقوم بالتعبير عن أراؤه وأفكاره
  • يرد المجتمع او جزء منه بمقاومة الأفكار، بشكل يضغط نفسيا على الفرد
  • ينزو الفرد ويحجم عن التعبير عن أفكاره أو يقوم بالتخلى عن افكاره وأراؤه بشكل يتراجع فيه نمو شخصيته بشكل مستقل
  • يبدأ بتكوين أفكار جديدة وتكتمل الدائرة مرة أخرى.

علينا أيضا ان ننتبه ان أفكار الشخص لا يجب ان تخالف المجتمع او شبكته الإجتماعية ككل، يكفى ان تخالف قلة من شبكته الإجتماعية حتي تبدأ الإعتراضات، فأعتقد أن من السهل على الأفراد إبداء الإعتراض على الأفكار عن إبداء تأييدهم لها، لذا يكون الناتج على الفرد كارثيا، ينتج عنه عدم قدرته على التعبير عن ذاته او تطوير اي أفكار جديدة، حيث ان هناك أحتمال ان أي فكرة يتم التعبير عنها تقابل بالإعتراض من غيره، وحيث ان وسائل التواصل الإجتماعي تسهل على المجتمع الإعتراض على أفكار الأخرين، ينتج عن ذلك ان أحتمال كبير ان تقابل جميع الأفكار بالإعتراض والتوبيخ والضغط حتي يتخلى صاحبها عن الفكرة ذاتها أو عن حريته فى التعبير عنها.

لذا أرى ان وسائل التواصل الإجتماعي تقوم فى النهاية تقوم بالتأثير بالسلب على الفرد، بدأت حياته بالتلقين, وحتي حين خرج للعالم ليبدأ التفكير فى ماهية وهدف حياته سيقابل حتما بجماهير تثنيه عن أي تطور او تكوين أفكار شخصية، فحتي قدرة الفرد على التطور أصبحت مهددة فى عالم من السهل فيه مهاجمة أي تطور او أختلاف فى الأفكار، أعتقد ان على المدي البعيد سيكون تأثير ذلك هو توجه المجتمع مع الصوت الأعلى على وسائل التواصل الإجتماعي، والصوت الأعلى فى تلك الحالة ستمليه خوارزمية وسائل التواصل الإجتماعي.