هل من حقي الحكم على الأشخاص او الأشياء؟

انتشر على السوشيال ميديا مقولة ان مش من حق أي شخص الحكم على شخص اخر او شىء أخر وان كل واحد يخليه فى حاله، وفى المقولة السابقة مغالطة ومخالفة لما اعتقده حق، نبدأ بفكرة الحكم على شىئ او شخص، ومن رأيى ان البشر بشكل طبيعي بيكونوا اراء واحكام على كل ما يقابلهم، بالشكل ده الناس بتعرف لو فيه حاجة خطر بالنسبة ليهم، وبتساعدهم يفكروا ويغيروا تصرفاتهم حسب الأمر او الشخص، على سبيل المثال لو ماشي فى الشارع بالليل وفيه شخص فى ركن مضلم من الشارع، من حقك تطلق حكم بالمعطيات المتاحة ليك علشان تحافظ على نفسك، الشخص ممكن يكون خطر وقاطع طريق وممكن يكون شاب منتظر احد اصدقائه، لكن وجود الاحتمالين بيفرض عليك ان تقرر اي منهم قد يكون خطر بالنسبة ليك وتغير تصرفك، ممكن تعتبر ان الاحتمال الأول المرجح كون ان الشخص فى مكان مظلم وفى قلب الليل ان تاخذ احتياطك وتمشى من شارع تاني, فحكمك على الشخص فى تلك الحالة كان حتمي لحفاظك على حياتك.

لكن مش دي هي الحالة الوحيدة اللى يحق ليك اطلاق حكم، انا اعتقد ان اطلاق حكم على شخص او شىء من حقوق الإنسان، وهي جزء من الحق فى الإعتقاد، والأمر مقسوم لثلاثة اقسام:

القسم الأول هو تكوين رأي واطلاق حكم، فيه الشخص بيستنتج من الظاهر له استنتاجات بتؤدي لحكم، وفيها الشخص عليه استنتاج حكم مناسب لكل ما يظهر له، لأن اطلاق الحكم بجزء من الظاهر شىء غير منطقي، ومن رأيي ان الشخص فى تلك الحالة له حرية التقصى او الاكتفاء بالظاهر، على سبيل المثال اطلاق حكم على سياسى مشهور بالظاهر منه فى الصحف والمجلات قد يكون كافى للشخص وغير كافى لأخرين، بعض الناس قد يلجأوا لسؤال الأقربين عن اخبار شفوية او أي مصدر أخر للمعرفة غير الصحف والمجلات.

فى القسم الأول يلوم الناس على البعض اطلاق الاحكام، بدعوى عدم كفاية المعرفة، وفى نظري ان اللوم والمنع فى تلك الحالة نكران لحق الفرد فى الإعتقاد، والسبب واهي فى رأيي لأن لا يمكن لكل الأشخاص معرفة كل شىء عن شىء او فرد لإطلاق حكم، لسبب بديهي يمكننا استخدام المثال فى اول فقرة لإثباته، ان اجلت الحكم بسبب عدم يقينك من احتمال ان يكون الشخص قاطع طريق وسلك الطريق حتي اليقين، او حتي يظهر الشخص والسلاح فى يده، وقتها سيكون الأوان قد فات، والحكم وقتها لو يكون ذو فائدة غير للوم نفسك على عدم اطلاق الحكم حين سنحت لك الفرصة.

مثال أخر اقل شدة، تخيل ان تكون الانتخابات قائمة، ويجب ان تصوت لمرشح عن آخر، وقتها يجب ان تحكم بالظاهر قدر الامكان، ولا يجب ان يلومك اي شخص بدعوي انك لا تعرف المرشحين شخصيا او ان معرفتك بهم ناقصة، لأن المعرفة الكاملة من وجهة نظري من المستحيلات، فالفرد نفسه لا يعرف نفسه كاملا، فمن المنطقي ان يطلق الفرد الحكم على مرشح بما ظهر له.

القسم الثاني هو التصرف بما يتناسب مع الحكم، فى رأيي اطلاق الحكم يقتضى التصرف بما يناسب الحكم، لأسباب أعتبرها اساسية يجب ان يطابق تصرفات الفرد مع اعتقاداتهم وأحكامهم، وإختلاف الإعتقاد مع الفعل اعتبره عدم إتساق مع الذات، لكنني أيضا أعتبر ان للفرد حرية الأختيار فى الإتساق مع معتقداته من عدمه، فالإتساق مع الرأي الداخلى او المعتقد من المصاعب التي يدخل فيها جوانب اخرى كالضغوط الاجتماعية او المادية او النفسية وغيرها، فقد تعتبر ان مرشح ما هو الأفضل، ويتبع ذلك ان يجب ان تصوت له، ومن الاتساق مع الذات التصويت للمرشح، لكن يمكنك الاختيار بمحض ارادتك الا تصوت له، لأي سبب اخر.

القسم الثالث وهو مستقى من الثاني، هو وجوب اطلاق الاحكام او تناسق الأفعال، وضحت فى القسم الأول ان من حق الفرد اطلاق الاحكام، ومن حقه ان يكون الفعل متسق مع الحكم، لكن ذلك لا يعني وجوب استخدام الحق، فلا يحق للفرد ان يلام او ينكر عليه عدم استخدام حقه فى الحكم او الاتساق معه، فجزء من الحرية هو حريته فى استخدام حريته ذاتها متى شاء، علي سبيل المثال، فى حالة الانتخابات لك الحق فى تقرير أي المرشحين المناسب للفترة القادمة، لكن لك أيضا الحق فى عدم التقرير طواعية وعن اقتناع.

القسم الرابع وهو الحق فى تغيير الأحكام، حيث ان الاحكام تعتمد على الظاهر، فبتغير الظاهر يحق للشخص تغيير احكامه ومعتقداته بما يراه اصح.

القسم الخامس وهو ان يتحمل الفرد نتيجة احكامه وافعاله، فمع اطلاق الاحكام وتغيير الافعال توابع، يتحمل الفرد نتيجتها، فمن حق الفرد ان يقرر ان من يقف فى الظلام فى الشارع ليلا قاطع طريق، ويمكنه ان يغير افعاله لتتسق مع معتقداته، وبذلك يمكنه التقرير بأن يندفع ليزيل شرور قاطع الطريق بضربه، لكان للحكم والفعل توابع، سواء كان الفرد قاطع طريق وتسبب الامر بإصابتك او ان لا يكون قاطع طريق وتسبب الامر بضرب شخص برىء، فى الحالتين عليك بتحمل حكمك وفعلك، كون انك تعرف انك حين اطلقت الحكم قد لا تكون تعرف كل الحقيقة يفرض عليك ان تتحمل نتيجة الحكم والفعل، ولا يمكنك ان تتملص من توابعه بدعوي عدم المعرفة، حيث ان عدم المعرفة الكاملة كان جزء من المعرفة نفسها حين اطلقت حكمك.