هل هو الماضي ام المستقبل؟

Avatar
Emad Elsaid

شهدت القاهرة يوم الثالث من ابريل الحالي موكب نقل اثنان وعشرين من مومياوات الملوك والملكات لمتحف الحضارة، كان الموكب والموسيقى وتفاصيل التنفيذ دقيقا وجميلا بحق، مبهرا كعمل مصري، لم نعتد ذلك القدر من الإبهار والإتقان.

لكن أجد نفسى خلال الحفل غير قادر على اجترار مشاعر الفخر او الفرحة خلال مشاهدتي للموكب من البث الحي على يوتيوب خلال شاشة تلفازي من منزلى فى برلين، أرى الإضاءة والحركة والغناء بأعين زجاجية ويتردد فى ذهني سؤال: أهو الماضي ام المستقبل الذى يستحق هذا القدر من الإهتمام؟ أنبني المستقبل ام نركن على ماضينا؟ أعلينا تجميل الماضي ام الإهتمام بتصور المستقبل؟

خلال حركة حياتنا خلال الزمن نبذل طاقتنا المحدودة فى امور عدة، ويقتضى بذل طاقتنا ومواردنا على أمر اهمال أمر آخر، فيما يسميه علماء الاقتصاد بتكلفة الفرصة البديلة، بتقرير إهتمامنا بالماضي تقرير ضمني بعدم الاهتمام بالمستقبل، يظهر فى الارتباط العاطفي بمظاهر الماضي من نقوش وتصميمات وانجازات، وينتج عن ذلك الارتباط العاطفي ما يشبه ما وصفه سيجموند فرويد ب”التثبيت”، حيث يكون التعاطي مع الماضي “نقطة تثبيت” للجمهور تسبب الفرحة والشبع النفسي وحتي ما يشبه النشوة، تجعل التعامل مع المستقبل او تخيله او حتى تحسين الواقع أمر اصعب، حيث ان الواقع لا يشبه الماضي البعيد اطلاقا وتخيل مستقبل من واقع لا نحبه ونراه بنصف عين أمر أقرب للمستحيل.

لا أنكر ان للأمر هيبته ورونقه، فكرة ان اكون حفيد أحد بناة الأهرام، او كاهن من عصور مضت، او أن أحد اولاءك الملوك قد يكون قريب بعيد لي، لكن أين أنا منه؟ أين أيا منا منهم؟ قد نكون او قد لا نكون من نسلهم لن نعلم ولا تحليلات الجينات الجديدة تلك غير مجدية تشبه الابراج بغطاء من العلم، حيث اننا لا نعلم وحتى إن علمنا لن يكون ذلك ذو فائدة لنا، وحيث ان طاقتي وتركيزي كمجتمع محدود ويجب ان يجتمع فى نقطة “تثبيت” واحدة فالأولى هو التركيز على المستقبل.

الجميل فى تصور المستقبل انه غير خاضع لمعايير الواقع، تخيل ان نجتمع على تصور مستقبل لمصر إن قورن بإنجازات الفراعنة لغطى ظله كل ماشيد من أهرام ومعابد وتماثيل، تخيل ان نتصور لنا مستقبل يتعدى ما بناه أجدادنا، مستقبل يجمعنا كهوية جديدة نطمح لتنفيذها والحياة فيها. تخيل مستقبل أكبر من ان نقارنه حتى بتشييد الأهرامات او المعابد، تخيل مستقبل زخمه الفكري والثقافي ان قورن بتاريخ مصر الفرعونية لصارت كمقارنة مجلدات تملأ مكتبة الاسكندرية بفصل واحد من كتاب.

تخيلنا المستقبل وتشكيله كهوية جديدة لمصر والمصريين قد يكون هو المخرج الأوحد من صراع الهوية الجاري بين الهوية الفرعونية والهوية العربية التي يرفض جانبيها الالتقاء منتصف طريقها او حتي قبول المزج بينهم فى هوية واحدة، ينتهي ذلك الصراع على الهوية ببناء هوية جديدة لنا تعتمد على المستقبل لا الإرتكان على الماضي وانجازات من نعتقد بأنهم أجدادنا.

لكن بناء تلك الهوية وذلك المستقبل يعتمد على تصور ضخم جدا وجهود جلة لتوصيفه، هي عملية غير يسيرة على من أعتاد اضفاء الطابع الرومانسي على ماضيه البعيد والهروب من واقعه المؤلم بالغناء بحب عالم آخر انتهى من ألاف السنوات، لكن الأحجار تبلى، والمومياوات التي حفظت لألاف السنين ستبدأ عوامل التعرية فى تبديدها ولن يبقى لنا غير الواقع وفشلنا فى بناء مستقبل نرضاه. ربما لن نتخيل ذلك الآن لكنه سيكون الواقع لآخر مصري فينا يحمل أخر حجر من الهرم الأكبر قبل ان تلفحه رياح تذرى أخر ما تبقى بين يديه من أثار حضارة مضت، ولن يتبقى له غير واقع لا يريده ولم نريده ولا يمكنه العيش فيه. سيكون هو ربما من نسلك او من نسلي، لن يعلم هو ولن نعلم نحن.